
▪︎ في لحظة شديدة الخطورة في المشهد السوداني وبين ركام المدن المنهكة ودماء الأبرياء التي لم تجف بعد ، يخرج علينا ما يُعرف بتحالف السودان التأسيسي – أو “تأسيس” كما سمّى نفسه – ليُعلن عن نيّته تشكيل حكومة موازية من مدينة نيالا جنوب دارفور كمقر مؤقت لكيان يهدف إلى شرعنة سلطة الأمر الواقع التي تفرضها قوات الدعم السريع على مناطق واسعة من غرب البلاد.
▪︎ تحاول “تأسيس” أن تُقنع الداخل والخارج بأن مشروعها ليس تمردًا عسكريًا أو رغبة في تقسيم البلاد بل هو – بحسب سرديتها – محاولة لترسيخ “سلطة سياسية جديدة” في مناطق خرجت فعليًا من تحت مظلة الحكومة المركزية ولكن هذا المسعى مهما تزين بالمصطلحات السيادية والهيكلية، لا يمكن فصله عن المشهد الدموي الذي قاد إليه الدعم السريع، ولا عن الجرائم التي وثقتها منظمات حقوقية ، بدءًا من دارفور ووصولًا إلى الخرطوم.
▪︎ واللافت أن التحالف قد صاغ تشكيلته على ثلاثة مستويات مجلس رئاسي يمثل كل أقاليم السودان (رمزيًا)، وهيئة تشريعية وحكومة تنفيذية ، ولكن أين “الشعب” الذي يمنح الشرعية؟ أين “الانتخابات” التي تفرز القيادة؟ وأين صوت السودانيين الذين تمزقت حياتهم جراء قصف ونهب وتهجير على يد الدعم السريع نفسه ؟؟ .. فأى حكومة تكونت بدون رأى الشعب أو انتخابات جرت وأى حكومة هي فى الأصل ملوثة بدماء الابرياء من السودانيين ..؟
▪︎ كان الحلم الكبير لتحالف “تأسيس” أن يُعلن حكومته من الفاشر العاصمة التاريخية لإقليم دارفور لإيصال رسالة سياسية واضحة لقد أحكمنا السيطرة على دارفور ولكن الفاشر، بكل عنفوانها وصمودها، قالت “لا”، ووقفت في وجه محاولات الاقتحام المتكررة. والنتيجة ؟ تراجع “تأسيس” واختيار نيالا كمنصة للإعلان البديل – تراجعٌ تكتيكي لا يُخفي حجم الضغط العسكري والسياسي الذي تعانيه المليشيا، كما علّق كاميرون هدسون، المسؤول السابق في البيت الأبيض، واصفًا الخطوة بـ”المخيبة للآمال”.
▪︎ التحالف الجديد، في ظاهره يسعى إلى ملء فراغ الحكم في مناطق خارجة عن سيطرة الحكومة الشرعية لكن في حقيقته، هو محاولة للالتفاف على الإرادة الشعبية، ولتمكين المليشيا من حكم مناطق تمزقت أصلًا بسببها ، إنها حكومة تُبنى على حطام مدن، لا على قاعدة اجتماعية أو شرعية دستورية ، فالفرق كبير بين من يُنتخب في صناديق الاقتراع، ومن يفرض نفسه بمدرعة وطائرة مسيّرة ، فما الرسالة التي تصل إلى العالم؟
▪︎ إن السودان، في نظر العالم، يشهد اليوم تآكلاً مخيفًا لكيانه كدولة موحدة وظهور حكومة موازية تمثل الدعم السريع في نيالا، يعمّق الصورة السلبية عن هشاشة المركز ويمنح خصوم السودان الإقليميين والدوليين مزيدًا من الذرائع للتدخل والتقسيم فهل هذا ما يريد “تأسيس” أن يُسجله في صفحات التاريخ … هذه هي الحقيقة التي تستوجب كامل الإنتباه ؟؟
▪︎ السودان لا يحتاج إلى حكومة الارهاب في ” نيالا ” بل يحتاج إلى حسم المليشيا بلا رجعة ، يحتاج الي ضمير سياسي واحد ، يجمع شتاته ويُداوي جراحه، لا يفتحها مجددًا بسكاكين التشظي والانقسام والتسلط ، إن إعلان “تأسيس” ليس تأسيسًا لدولة، بل تأسيسٌ لمرحلة جديدة من العبث ، يكون فيها الولاء للسلاح لا للدستور، وللمليشيا لا للمواطنة ، ولكن للتاريخ كلمة فالدول تُبنى على الإجماع لا الانقسام وعلى العدل لا الغلبة وأن السودانيين يعتبرون الدعم السريع اكبر أعداء الامة هو ومن يرعاه ماليآ وسياسيآ.



